مي حجازي تكتب لـ«بايونيرز مصر»: وداعًا للبنك المحلي.. مرحبًا بالبنك العالمي– المؤشرات نت

في هذا المقال من المؤشرات نت، نرصد أبرز التفاصيل والتحديثات حول الموضوع بطريقة مبسطة وموثوقة.

هو ليه كل حاجة بقت عالمية… إلا البنك؟.. قد يبدو

السؤال بسيطًا، لكنه يلخص تحولًا قد يغيّر شكل الصناعة المصرفية خلال السنوات المقبلة.

نحن نشاهد الأفلام على Netflix من أي دولة، ونستمع إلى الموسيقى عبر Spotify أينما كنا، ونعمل مع شركات في قارات مختلفة باستخدام الأدوات نفسها. لكن عندما يتعلق الأمر بأموالنا، يعود كل شيء إلى الحدود الجغرافية؛ بنك لكل دولة، وحساب جديد لكل انتقال، ورسوم تحويل، وبطاقات مختلفة، وإجراءات لا تنتهي.

تخيل شابًا يعمل كمبرمج من القاهرة لصالح شركة في كندا، يتقاضى راتبه بالدولار، ويدفع اشتراك أدواته الرقمية باليورو، ويرسل جزءًا من دخله إلى أسرته، ثم يسافر في إجازة قصيرة إلى تركيا. أول سؤال سيسأله ليس: “أي فندق سأحجز؟”، بل: “كيف سأدير أموالي؟”

هنا بدأت شركات التكنولوجيا المالية تطرح سؤالًا مختلفًا تمامًا:

لماذا لا يكون لديك بنك واحد… أينما كنت؟

ليست هذه فكرة من أفلام الخيال العلمي، بل نموذج أعمال جديد يصفه كثيرون بـ”البنك العالمي” (Global Bank)، وهو ليس مصطلحًا مصرفيًا رسميًا، بل مفهوم يقوم على منصة تقنية واحدة تخدم عملاء في عشرات الدول، مع التكيف في الوقت نفسه مع القوانين والرقابة المحلية في كل سوق.

من الفروع… إلى المنصات

طوال عقود، كان التوسع المصرفي يعني افتتاح فروع جديدة، وتعيين مئات الموظفين، وبناء مراكز بيانات، وتطوير نظام مصرفي مستقل لكل دولة. كانت الجغرافيا هي التي تحدد شكل البنك.

اليوم، تغيرت المعادلة.

أصبحت المنصة الرقمية هي الأصل، بينما تحولت الحدود إلى طبقات تنظيمية تضاف فوقها. لم يعد الهدف إنشاء بنك جديد في كل دولة، بل تشغيل المنصة نفسها في أسواق متعددة مع تعديل متطلبات الترخيص والامتثال فقط.

ببساطة، إذا كانت Netflix قد وحدت تجربة مشاهدة الأفلام، وSpotify وحدت تجربة الاستماع إلى الموسيقى، فالسؤال المطروح اليوم هو: هل تستطيع منصة مصرفية واحدة أن توحد تجربة الخدمات المالية؟

سباق عالمي… وليس لاعبًا واحدًا

عند الحديث عن هذا التحول، يتجه الانتباه سريعًا إلى Revolut البريطانية، التي تأسست عام 2015. خلال أقل من عشر سنوات، تحولت من تطبيق لإدارة الإنفاق أثناء السفر إلى واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا المالية في العالم، بقيمة تجاوزت 45 مليار دولار، وأكثر من 70 مليون مستخدم، ويعمل بها ما يزيد على 10 آلاف موظف موزعين على مكاتب ومراكز تطوير في أوروبا وآسيا والأمريكتين.

ولا تقف وحدها في هذا السباق.

فشركة Wise، التي بدأت عام 2011 باسم TransferWise، نجحت في إعادة تعريف التحويلات الدولية، ثم تطورت إلى منصة مالية مدرجة في بورصة لندن، تحقق أرباحًا متنامية وتعالج معاملات بمليارات الدولارات سنويًا، ويعمل بها أكثر من 5 آلاف موظف.

أما N26 الألمانية، فقد حصلت على رخصة مصرفية كاملة، وأصبحت تقدم تجربة مصرفية رقمية موحدة لملايين العملاء داخل أوروبا، ويعمل بها أكثر من 1500 موظف.

ورغم اختلاف نماذج أعمال هذه الشركات، فإنها تتفق على هدف واحد: منصة واحدة… وأسواق متعددة.

السر ليس في البطاقة… بل في المنصة

قد يظن البعض أن سر نجاح هذه الشركات هو إصدار بطاقات رقمية أو توفير حسابات متعددة العملات، لكن الحقيقة أعمق من ذلك.

الميزة الحقيقية تكمن في أن العميل يحصل على تجربة موحدة أينما كان. يستطيع الاحتفاظ بعشرات العملات داخل حساب واحد، والتحويل بينها بأسعار قريبة من أسعار السوق، وإنشاء بطاقة افتراضية خلال ثوانٍ، والاستثمار في الأسهم أو المعادن أو الأصول الرقمية من التطبيق نفسه.

لكن الأهم من كل ذلك هو ما لا يراه العميل.

فالمنصة نفسها تُطوَّر مرة واحدة، ثم تُستخدم في عشرات الأسواق، بينما تتولى أنظمة الامتثال الذكية تكييف إجراءات “اعرف عميلك” (KYC) ومكافحة غسل الأموال (AML) وفقًا لقوانين كل دولة، دون أن يشعر المستخدم بأي تعقيد.

هل هي بنوك بلا مكاتب؟

ليس تمامًا.

فهذه الشركات لا تعتمد على شبكة الفروع التقليدية، لكنها ليست شركات تعمل من غرفة صغيرة كما قد يتخيل البعض. فهي تمتلك مكاتب إقليمية في مدن مثل لندن وبرلين وسنغافورة ونيويورك، إضافة إلى مراكز تطوير تقنية تضم آلاف المهندسين والمتخصصين في الأمن السيبراني وتحليل البيانات والامتثال.

الفرق أن الاستثمار لم يعد يتجه إلى بناء الفروع، بل إلى بناء البرمجيات.

وهل تحقق أرباحًا فعلًا؟

لفترة طويلة، ركزت شركات التكنولوجيا المالية على النمو السريع حتى وإن جاء ذلك على حساب الأرباح.

لكن المرحلة الحالية مختلفة.

فقد أعلنت شركات مثل Revolut وWise تحقيق أرباح كبيرة قبل الضرائب، مستفيدة من تنوع مصادر دخلها بين الاشتراكات، ورسوم التداول، والخدمات المميزة، وعوائد الفوائد. كما تتوسع بقوة في أسواق أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وبعض أسواق الشرق الأوسط، حيث ترتفع معدلات التحول الرقمي وتزداد الحاجة إلى خدمات مالية عابرة للحدود.

بين طموح التكنولوجيا… وصخرة الرقابة

ورغم كل هذا الزخم، لا تزال هناك عقبة يصعب تجاوزها.

فمن السهل نسبيًا توحيد البرمجيات، لكن من المستحيل توحيد القوانين.

لكل دولة قواعدها الخاصة المتعلقة بالترخيص، والخصوصية، وحماية البيانات، والامتثال، والإشراف المصرفي. لذلك، فإن نجاح نموذج “البنك العالمي” لن يقاس بعدد العملاء أو حجم الاستثمارات فقط، بل بقدرته على التكيف مع هذه التشريعات المتباينة دون أن يفقد سرعته أو بساطة تجربته.

وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر خلال السنوات المقبلة؛ فالسؤال لم يعد: هل تستطيع التكنولوجيا بناء بنك عالمي؟ بل: هل تستطيع الأنظمة الرقابية في العالم مواكبة هذا النموذج الجديد؟

الخلاصة

قبل سنوات، كانت قوة البنك تُقاس بعدد فروعه، ثم أصبحت تُقاس بجودة تطبيقه. أما اليوم، فقد يكون المعيار مختلفًا تمامًا: كم دولة يستطيع البنك أن يخدم من خلال منصة واحدة؟

قد لا يختفي البنك المحلي، لكنه لن يبقى كما عرفناه. فالمنافسة لم تعد بين بنك وآخر، بل بين نموذجين مختلفين لصناعة الخدمات المالية؛ أحدهما بُني حول الجغرافيا، والآخر بُني حول العميل.

وربما بعد سنوات قليلة، لن يكون السؤال: “في أي دولة يقع بنكك؟” بل: “هل يستطيع بنكك أن يرافقك… أينما ذهبت؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *